عاشوراء

المطران جورج خضر (الجمعة 18/1/2008)

 

        ليس أمري الآن ان أسرد لكم كل الرسائل التي وردت الى الحسين تنصحه الا يخرج الى العراق ولكني استنتجت منها جميعًا أن قوّة روحية فيه كانت تدفعه الى العراق فهو القائل: «وخير الأمان أمان الله، ولم يُؤمنِ اللهُ من لم يُخْفِه في الدنيا فنسأل الله مخافة في الدنيا توجب لنا أمان الآخرة عنده».

 

        أعتقد اذًا انه يؤدي بذلك واجبًا إلهيًا: كان يعرف انه سيُقتل وفي حديث لعلي: «قام من عندي جبرئيل قبلُ فحدثني أن الحسين يُقتل بشط الفرات».

 

        لن أطيل عليكم الكلام على أحاديث الغيب المتعلّقة بكربلاء ولكني أستنتج منها ان قضية الحسين مع الأمويين لم تكن فقط قضية سياسية بل قضيّة تحسّسٍ له داخلي وروحي. انه كان مقتنعا ان خروجه الى العراق أمر إلهي. اما الذين قُتلوا معه فهم ٧٢ شهيدًا، وكان قتله في العاشر من المحرم سنة احدى وستين يوم عاشوراء، وهو القائل قبل استشهاده «وإني لا أرى الموت الا سعادة، والحياة مع الظالمين الا بَرَما».

 

        انقضَّ على الإمام حسب إحدى الروايات ثلاثون ألف مقاتل وجرّدوه من ثيابه إمعانا بالإذلال كما جُرد المسيح إمعانا في إذلاله.

 

        ويزين لي ان ثمة خلافا ذكر قليلا في المصادر الإسلامية. قال عباس محمود العقاد في كتابه عن العبقريات الإسلامية: «وقد كان الموقف بين الخلافة والملك ملتبسا متشابكا في عهد عثمان: كان نصف ملك ونصف خليفة، او كان نصف زعامة دينية ونصف إمارة دنيوية» (انتهى الاستشهاد). ولكنا نعرف ان هذا الدمج في وظيفة القيادة الإسلامية قد تم في عصر الرسول نفسه بعد الهجرة وان الثنائية بين الدين والدولة وضحت في عهد الراشدين، ولكن كان هناك من البدء ثورة كامنة انفجرت في ايام الحسين ولعلها كانت في المشاعر مرتبطة بالخلاف بين بني هاشم وبني أمية مع أن النصوص الحسينية لا تشير الى ذلك بوضوح ولو تكلّمت على حق اهل البيت، غير ان عليًا قال: «ان قريشًا اختارت لنفسها فأبت ان تجمع لبني هاشم بين النبوة والخلافة». ولكن مهما كانت اسباب المنافسة بين يزيد والحسين وأيةً كانت المفارقة بين المناطق وتحزّباتها لا يبدو اننا نستطيع تجاهل جذور الخلاف بين هاشم وأمية.

        وفي إحساسي ان الأمويين أسلموا حقا بعامة ولو اعتبرنا ان لأبي سفيان اختلاطا بين الدين والسياسة. غير ان معاوية كان يقيم الصلاة في اوقاتها. فهذا العداء لهاشم كان موروثا من الجاهلية كما ان القبليّة لم تمت في الكوفة مثلا اذا نظرنا الى تنظيمها المدني حيث كانت تجتمع هذه القبيلة في حي وتلك في حي. الأديان لا تفني توا موروثات حياتها السابقة للاهتداء ولا يكون الهدى في النفس آليًا ولو كان كتاب القوم هدى للمتّقين.

 

        المودة في القربى بعمقها الروحي جاءت بي للمرة الثانية الى هذا المكان بعد ان دعاني اليه سماحة السيد موسى الصدر منذ سنوات خلت وكانت جمعتنا مودّات كثيرة. هذه الدعوة اليّ اليوم أحسستها إكراما لا أستحقّه ولكني ودِدت أن أعبّر لكم عن محبتي في إقامتي هذه الذكرى وكأني واقف في صفوفكم خاشعًا. ولن أركّز اليوم على كربلاء الا لكونها تتويجًا لسيرة الإمام الحسين. فمن الناس من كان منذ نشأته مع الله شاهدا له بلا دم حتى اذا سُفك هذا حبا يسطع وجود رجل بكل نقاوته لغةً مقدسة. وكربلاء عظمتها في انها كانت لغة امتدت الى أجيال من المؤمنين والقادرين مواقفهم.

 

        مرة استعملت في حضرة المغفور له الإمام مهدي شمس الدين عبارة «فاجعيّة الشيعة». سألني: هل تعتقد ذلك؟ فلم أجب، ولم أصحح. عند متصوّفي الكنيسة الأرثوذكسية كثير ما نعتبر ان البكاء هبة من الله لأنه إمارة من إمارات التوبة، فإلى جانب المعتقد عندنا في قومكم موسم تخشّع وانسحاق قلب وكل هذا آتٍ من شهادة عظيمة أديت في كربلاء.

 

        ما يبقى من الحسين ليس ذكراه ولكن إقامة القيم التي في القلوب عملا بقول التنزيل: «فإن يشاءِ الله يختِم على قلبك ويمحُ الله الباطل ويحقُ الحق بكلماته». هذه اذا تحققت هي حسينيّة النفس بلا حجر. هذا هو الاستعداد لتقبّل الله الماحق الغَوايات فينا لاستنزال ضيائه على وجوهنا. بعد فناء الحسين في الرضاء الإلهي، تبقى هذه الحسينية التي أشرنا اليها في التوحيد كله قصة حياة او نموذجا وللاقتداء بالنموذج بحيث يبقى لي مكانة على هذا المنبر.

 

        تبدأ أهمية الإمام منذ أول يوم من ولادته حسب احدى الروايات أن الحسين سمّاه الرسول. بعد هذا كان مسالما للغاية فقد وقف مع أخيه الحسن امام بيت الخليفة عثمان لمنع الثوار من الدخول الى بيت الخليفة وايذائه.

 

        قاتل مع أبيه في موقعة الجمل وموقعة صفين لتوحيد صف المسلمين تحت راية أبيه. كان منسجما مع الحكم الى حين نَفَدَ وفد على معاوية وغزا القسطنطينية مع يزيد وأكرمه معاوية كما أكرم أخاه.

 

        غير انه قاوم معاوية لما شرع بأخذ البيعة لابنه، وسبب ذلك انه رفض ان تتحوّل الخلافة الى إرث وأبى ان يكون على رأس الإسلام فتى كيزيد. قال عند ذاك الى الوليد: «يا أمير إنّا أهل النبوة ومعدن الرسالة بنا فتح الله وبنا ختم ويزيد فاسق، فاجر، شارب خمر، قاتل النفس المحرمة، معلن بالفسوق والفجور، ومثلي لا يبايع مثله». مأخذه على معاوية كان اذًا تحويل الخلافة الى ملك. ومأخذه على يزيد فجوره. كان في عقله ان الإمامة لأهل البيت وانها لا تورّث على طريقة الأمم الأخرى الى جانب اعتراضه على ملكية يزيد.

 

        وشعوري ان وراء الثورة التي اندلعت آنذاك كان يكمن فيها خصومة بين الفقراء اي هاشم، والأغنياء أي أمية. ولكن هذا لا ينطق بسبب من وحدة الإيمان الظاهر. ثورة مجتمعية ولا يدور الخلاف فيها حول موضوع الخلافة وحسب. وكل الأديان لها حنين الى الفقراء او تفضيل لهم في الأمة. هناك مقهورية ما في بدء الكنيسة في القدس او ظلم مارسته الشريحة الميسورة على شريحة المحتاجين. وربما ورثت شيعة عليّ هذه المقهورية طوال تاريخها إلا في العصر الفاطمي حيث كانت تسود. ولكن الحقبات التي تلت العهد الفرنجي في أواخر القرن الثالث عشر أعطت عنها هذه الصورة ما غذّى فيها حب الحرية وقوّى فيها الحسّ الديني.

 

        واذا كانت الحرية في البدء حرية من معاوية وخلفائه يبقى في النفس الحرية من كل حاكم . كأن الحاكم أموي مبطّن او كأنه يزيد مجسّد ما يعني الكثير من الزهد والإقامة في العلم الذي هو دولة الله في العقل ما يدفع هذه الأمة ان تسودها إمارة النصحاء والمثقفين والفقهاء واهل الكلام وما يدفعها الى اللجوء الى الله وتقواه. وفي العهد الجديد إمارات على أن أنقياء القوم في فلسطين آنذاك هم في المقام الأوّل الفقراء. وكان المسيح سلامه علينا وأمه من هؤلاء القوم، ولذلك كانت له القوة لمقاومة روما وأحبار اليهود وحرا من كل خوف، وهذا ما دفع الأقوياء للموآمرة عليه ولكنه في كل ضيعة كان يشهد لحق الله على بني البشر.

 

        إن المعذّبين في الأرض، ناصرو الجياع وإخوة المتألّمين الى أي دين انتسبوا. وهم يخشون أن يكون الحكم غريبا عن المحكومين. كنت أود أن أجيب المغفور له الإمام محمد مهدي شمس الدين أن التشيّع لعليّ ليس وحده نصرة الحق ولكن كل تشيّع للحق طلب للحرية، وتاليا هو استحقاق لكلمة الناصري: «طوبى للمساكين لأن لهم ملكوت السموات». والله ملك على الذين يحبونه في إخلاص كامل. والوحدة بين الناس هي وحدة القلوب المتعطّشة الى الحق والمتعطّشة الى المحبة تعطى او تُنال.

 

        لذلك يا شيعة عليّ انتم درس فأبقوا عليه لئلا يفوت الإنسانية الكثير من الرحمة، واذا اخترتم المشاركة في الحكم في اي ظرف واي بلد فاختاروا عبقرية الرحمة التي ينزلها الله على من اختارهم رضاه. نحن نريد لكم ان تقيموا في هذا الحنان وألا تختاروا من القوّة الا وجه الرحمانية الإلهية فيها لأن غير ذلك باطل ويذهب كهباء الريح. فالدولة في الاشتقاق العربي هي ما يدول. والشهادة وحدها لا تدول، وأحبوا الجهاد الأكبر جهاد النفس ككل مسعى أرضي لأنه هو الذي يقيمكم في الأعماق الإلهية وفي صحبة الأبرار من كل جيل وصوب.

 

        مَن طلب الحرية لا يطلبها لنفسه فقط ولكن للناس جميعا لئلا يقع في فخ الطائفيّة. أقيموا ناموس الحرية وادعوا الناس اليها. لكم مزاياكم التاريخيّة فوزّعوها كالخبز. اجعلوها مائدة تنزل عليكم من السماء وبهذا تقدّمون أغلى هدية ليس فقط في الأمصار التي تقيمون فيها ولكن في العالم أجمع. اجعلوا الحرية إرثنا جميعا بعد ان ناضلتم عنها اربعة عشر قرنا لأجلكم. بصرف النظر عن عقيدة هذا وذاك، هذا ما يدعوكم الله ان توزعوه مجانًا وامتنعوا عن ان تفخروا اذا أُعطيتم الحرية للناس كلّهم لأنكم فقط خدمتها والله معطيها. وأقيموا في عاشوراء معنى وليس فقط عيدًا لنبهج معكم وبكم وذلك تمجيدًا لله الكريم.