في ذكر الإمام موسى الصدر

المطران جورج خضر
28 آب 2009

 

ماذا قرأت في موسى الصدر؟ غيبته عمّقت فهمي له لأن التعايش يقيمك في حماسة. سأحاول اذًا الا أبقى في الرؤية ولكن ان أحلّل بشيء من السكينة.
 
ما لا يسعك ان تُنكره هو ان الرجل كان استثنائيًا من وجوه عديدة. جمْعُ الثقافتين الفارسية والعربية في ظل الإسلام مع تحسس للعالم الحديث امر نادر. واذا قلتُ الإسلامَ يعني انك قادر ان تقرع باب قلبه وانه قادر ان يقيمك فيه. الدين يتجاوز ميراث الأسلاف بما فيه من تكرارٍ ومن خطرِ الفئوية ولا يلتمع في انسان الا اذا كان هذا الانسان كثير الإخلاص فيه اي اذا كان يعيش في الترحاب الكبير. إذ ذاك فقط يأخذ الدينُ أبعاده. ويلتقط الجمالات أنّى حلّت. لا يكفي ان نقول مع بعض الفقهاء المعاصرين ان المسلم يهوديّ ومسيحي لأنه سليل هاتين الرسالتين. فليس المهم ان تكونا حاضرتين في ذهنك، في جهادك العقلي. المهم ان تجيء حقا من أنبياء العهد القديم ومن اللصوق بيسوع الناصري. وليس من الحق ان تقول ان الانسان المسيحي ليس فيه شيء من الإسلام لمجرد ان هذا لاحق. ليس من شيء لاحق. فإذا استطاب العيسويُّ الكثيرَ من الآيات وجعلها له او من كيانه فهو بمعنى حقيقي على شيء من الإسلام.
 
في ظني ان السيد موسى الصدر على إمامته في الإسلام رأى ما أقول بصورة صادقة ومؤثّرة. ولعل هذا سهْلٌ عند الشيعة لأني كما اقرأها جرح والمسيحية جرح. والجراح تنادي القيامة التي نعيشها الآن قبل يوم الحشر.
 
موسى الصدر داعيةُ حقِّ يبرره ذلك الجلباب الذي يرمز الى التدثُّر القرآني. وفي الكنيسة الشرقية نُسمّي بعض أوليائنا متّشحين بالله وربما جرأتُ على القول ان الرب نفسه متّشح بهم. اذا أخذتم البساطة التي يمكن ان يتسربلها الفاهمون حتى التفلسف العميق، أرى صديقنا العظيم متجلّيا بها في بلّوريتها. واذا كان اللاهوت لا يعني الا اصطلاحًا علم الكلام ولكنه يدلّ حسب الصيغة العربية على الله ذاته، ارى السيد موسى جالسًا في حضرة اللاهوت بمعناه الكياني. وهذا أعظم من كل عِلمه وكل نضاله لأنه ينبوع، ولأن الينبوع فيض دائم أطيب من السواقي.
 
الينبوع الذي كان يتفجّر فيه حب. لقد قيل الكثيرُ عن تعلُّق الرجل بلبنان. ألستم تتعجبون ان يُدرك هذا الرجل جاذبيةَ بلدٍ لم ينشأ فيه وان يُلّم بكل دقائقه ومتاعبه وآفاقه معا، وهذا يستحيل ان يحصُل لامرئ بمجرد معايشته لمواطنينا واختلاطه بكثيرين. قراءته كانت من داخله وليس من تجاربه وحسب. هو كان يرمي نفسه على الواقع وينيره. ولم يتمكن من قراءةٍ مضيئة الا لكونه غدا مستضاء النفس. كان يفهم بالسر الذي كان كامنًا فيه.
 
كل نشاطه انكشاف لهذا السر. سأحاول أن أسبر غوره من جانب رعايته للطائفة الشيعية وسكْبها في الوحدة الوطنية. معظمكم اكثر اطّلاعا مني على نشاطه الديني المباشر وهذا جزء من طاعته لله. كان لا بد له ان يستنهض هذه المجموعة الدينية لأنها كانت مظلومة ومهمّشة نسبيا بسببٍ من حرمانها وغياب العدالة بين المناطق. من هنا كانت حركة المحرومين. رؤيتي إياها كانت هذه: لماذا لا تنشأ هذه الحركة القادرة أن تستنهض الأمّة كلها اذ يجب ان تبدأ من نقطة في الوجود. ماذا يمنع ان تتحرك كتلة دينية اذا كانت تتحسس ضرورة الانتعاش لكل الشرائح اللبنانية. واذا قامت مجموعة روحية دينها صافٍ وخالص لوجه الله، من هذه الزاوية لست أرى تناقضًا بين حب موسى الصدر للتشيع وحبه للبنان.
 
واذا كان الفن على ما قال ارسطو يبدأ بالخاص، فلماذا لا يتجدد البلد من نقطة مجتمعية خاصة منتشرة في الجنوب وبعلبك والهرمل والضاحية اليوم.
                      
هذا تحدٍّ كبير للذين لا يرون وحدة لبنانية الا اذا نضحناها بالعلمانية. هو تنكَّر لها وليس هنا المجال لمناقشة فكره. ولكن اقول ان الرجل بدأ من شيء موجود هو شيعة لبنان ليقيم بلدًا لكل اللبنانيين. لبنان لوحة مؤلّفة من ألوان كثيرة، ولا تقوم على محو الألوان ببياض او سواد. واذا قلنا لبنان، لا نريد ان يتهيأ هذا البلد لينصبّ في كيانات اخرى. اظن ان هذه المرحلة من الفكر العروبي قد تخطيناها في الطائف والدستور عندما قلنا ان هذا البلد نهائيّ ما لا يمنعه ان يكون عربيَّ الذوق، عربيَّ الثقافة وأن يتعاون والعرب في كل المجالات وان يرى نفسه في التحرّك العربي المناوئ للعدو في فضاء رفض الصهيونية كان السيد موسى بلا عيب وبلا تردد.
 
هذا التلاحم بين الشيعة ولبنان كان روح المقاومة التي دعا اليها ولم نشتمّ من قولةٍ واحدة عنده انه كان يفكّر بتبوّئ طائفته للبلاد. من عانى المظلومية لا يسعه ان يصبح ظالما لأن الظالم جلاد ومن كان ضحية لا يريد الآخرين ضحايا. من كان مظلوما لا يعاقِب. وهذا جاء السيدَ موسى من روح ديانته ومن أبعاد ثقافته المتنوعة.
 
لست أَفهم ادبياته على انها تعني شرعنةَ النظام الطوائفيّ الى الأبد. تعامل وإياه لأن الإمام كان يريد ان يُصلح الانسانَ من واقعه ولكن على الشيء الكثير من المبادئية. من هنا جاز القول انه لم يكن مفكرا إطلاقيا صِرفا كما لم يكن مغاليا في الواقعية.
 
وهذا يتطلب استقلالا عن كل الطُغمة السياسية. انت لك ان تُعاشر الساسة ولا تكون منهم. تأخذهم الى موقعك فيتعلّمون.
 
كان هو يعرفهم جيدا ويخاطبهم آتيا اليهم من الحق، ويعرف ان الكثير من الحق كان في الفقراء وفي الطليعة المثقفة التي كانت تعاونه ولم تسكر هذه بنخبويتها لأنها كانت تتوخى التغييرَ والتغييرُ يمقت اهلُه الاستعلاء. ولكن الحرمان انطلاقة الى الحرية التي تعني زوالَه اذا تيسّرت الحرية لكل الناس.
 
هذا يتطلب استقامة الرأي، وهذه لا تعني استكبارا بالحقيقة ولكنها تعني إشاعة الاستقامة الفكرية التي تنفي الظلم. وانا اعرف استقامة الفكر عند الرجل اذ كان يَقبل المشورة وينقّح مواقفَ عقلية له بسبب من إسلامه لله ولا يهمّه من القائل بل يهمّه القول.
 
أجل كان سياسيا اذا عنت السياسة باشتقاقها اليوناني قيادةَ المدينة وفي بلدنا قيادةَ البلد. ومعنى هذا انه فهم النشاط في الشأن العامّ فلسفةً تقود الى تجديد شعبنا لا ورشةً عملية بحتة.
 
هذا الغنى الذي لم آت على كل ما يغري فيه قلّما يجتمع في انسان واحد. لذلك كان السيد موسى مغريا، ومن عرفه على حقيقته يُشَدّ الى الله. لنا منه ميراث عظيم نحيا به. لنا فيه تجديد للحياة الروحية فينا ومنه تنحدر كل حياة. موسى الصدر هبة إلهية لكل شعبنا. لذلك نبيتُ اذا ذكرناه في هدوء السلام.