Article Listing

FacebookTwitterYoutube

Subscribe to RAIATI










صندوق التعاضد الأرثوذكسي

صندوق التعاضد الأرثوذكسي
Share

للمقبلين على سرّ الزواج المقدّس رجاءً مراجعة موقع:  wedding2

مركز القدّيس نيقولاوس للإعداد الزوجيّ

الدولة 08/08/1992 Print Email
Saturday, 08 August 1992 00:00
Share

الدولة 
بقلم المطران جورج خضر،
جريدة النهار 8 آب 1992

لم تحتل الدولة مكانا في فكر يسوع الناصري. المنشغلون بها والمنهمكون يذكرون قولته: "أدّوا ما لقيصر لقيصر، ولله ما لله" وكأنه يريد ان ثمة مملكتين متوازيتين: روما والرب، تتلاقيان بمقدار وتتصادمان. هل جاء المسيح حقا يشرّع الحكم الدنيوي ام اراد أمرا آخر ؟ النصوص التي بين أيدينا في الأناجيل الإزائية (متى ومرقس ولوقا) لا تدل على ذلك فالسؤال الذي طرحه الفريسيون على المعلم كان دافعه ان يصطادوه بكلمة، محاولة إحراج أتت من خبثهم. إذ ذاك قال لهم:"لمن الصورة والكتابة؟" قالوا :"لقيصر". فقال لهم:" أدّوا لقيصر ما لقيصر، ولله ما لله". فيبدو المعنى هكذا: انتم مرتبطون  بالولاء لقيصر. انا لا أدعوكم الى المقاومة. هذه  وانعدامها سيان عندي في سياق الدعوة . ذلك ان الملكوت الآتي بي وبإنجيلي هو المجال الذي لا بدّ لكم ان تنتقلوا اليه اذا اردتم الخلاص. فافعلوا في الدنيا ما شئتم. انا لست مع الثورة ولست ضدها. المسألة الكبرى ليست هنا. انها في ان تدخلوا الملكوت او الا تدخلوه. فاذا ابتغيتم دولة فأنتم لستم لها الا بمقدار انسيابها لله . فاذا اردتم حكما لتسوسوا به هذه الأرض فالحكم ليس بشيء ولن يسوس اذا لم يكن منصاعا للحقيقة وللأخلاق النازلة منها.

لاحظ يسوع تنظيم الدنيا وما أولاه قيمة. نراه مرة يدفع الضريبة. جلّ ما في الأمر انه لم يشأ ان يخالف القانون لأنه لوفعل يكون قد نسب أهمية كبرى الى النظام المدني.

واجه السلطة مرة بصورة حادة. فقد جاء اليه بعض الفريسيين وقالوا له :"اخرج فاذهب من هنا لأن هيرودس يريد ان يقتلك". فقال لهم:" اذهبوا وقولوا لهذا الثعلب : ها اني أطرد الشياطين وأجري الشفاء اليوم وغدا، وفي اليوم الثالث ينتهي أمري. ولكن يجب على ان اسير اليوم وغدا واليوم الذي بعدهما" (لوقا 13 : 31 - 33).يسوع يحكم في الملك كما يحكم في غير الملك. هذا صوت نبوي ضد السلطة القائمة لا من حيث انها شرعية او غير شرعية. هذا صوت ضد الشر.

كانت المواجهة الأخيرة المأسوية استجواب بيلاطس للسيد فلما سأله الوالي ماذا فعل اجاب: "ليست مملكتي من هذا العالم. لو كانت مملكتي من هذا العالم لدافع عني حرسي لكي لا أُسلم الى اليهود ولكن مملكتي ليست من ههنا" وكأنه يريد: انا وانت يا بيلاطس لنا لغتان. منطقك منطق الدولة. ليست روما بشيء ولن أجد لها على صعيدها بديلا. أنا لا أقيم على صعيدها. وانتهى الحديث او كاد بكلمات  الحاكم ليسوع :"من أين انت؟" فلم يجبه يسوع بشيء. فقال له بيلاطس: "ألا تكلمني؟ أفلست تعلم ان لي سلطانا على أن أخلي سبيلك وسلطانا على أن أصلبك؟"  أجابه يسوع :"لو لم تُعط السلطان من علِ، لما كان لك على من سلطان". لم يكن هذا إقرار بسلطان إلهي للوالي الروماني. انه مجرد اعتراف بان الله أمر بموت المسيح وان الدولة الرومانية كانت أداة لهذه الميتة.

***

لم يكن يسوع الناصري يعظم السلطات . كان يحتقرها بعامة. ولقد أتى هذا في سياق حديثه عن يوحنا (يحيى في القرآن) المعمدان اذ قال في شأنه: "ماذا خرجتم الى البرية تنظرون؟ أقصبة تهزها الريـح؟ بل ماذا خرجتـم ترون؟ أرجـلا يلبس الثياب الناعمة؟ ها ان الذيـن يلبسـون الثيـاب الناعمـة هـم فـي قصـور الملـوك" (متى 11: 7 - 8). وفي رواية لوقا يقوى التنديد: "ها ان الذين يلبسون الثياب الفاخرة ويعيشون عيشة الترف يقيمون في قصور الملوك" (7 : 25).

وفي حديث السيد الى تلاميذه بعد أن طلب يعقوب ويوحنا ابنا زبدى ان يستوزرهما في مملكة ظنّاها من هذا العالم قال: "تعلمون ان الذين يُعَدّون رؤساء الأمم يسودنها، وان أكابرها يتسلطون عليها. وليس الأمر فيـكم كذلك. بل من أراد ان يكـون كبيرا فيـكم، فليـكن لكـم خادما. مـن أراد ان يكـون الأول فيـكم، فليـكن لأجمعكم عبـدا" (مرقس 10 : 41 - 44).

لست أظن ان بولس الرسول يشرعن الأمبراطورية الرومانية او يعطي الحكم السياسي قيمة مطلقة عندما يقول: "لا سلطة الا من عند الله، والسلطات القائمة هو الذي أقامها" (رومية 13  : ا و 2). يجب أن يُفهم الكلام في سياقه التاريخي. ذلك ان الدولة كانت آنذاك جمهورية اسميا وذات اشكال جمهورية ولو كان على رأسها امبراطور وكانت الادارة الرومانية حكيمة ومتسامحة فكان لليهود فيها حرية داخلية وامتيازات. فالنيّات طيبة في الدولة ولم تكن اضطهدت الكنيسة  وقد حمتها غير مرة من اليهود الذين اعتدوا عليها. وكان بولس يثق بقيصر لما استأنف اليه الحكم الذي طاله في فلسطين. بولس في رسالته الى أهل رومية يعترف فقط ان السلطة القائمة فيها آنذاك من الله. كانت يومها فاعلة الخير.

والدليل على ان موقف الكنيسة الاولى لم يكن تقديسا للأمبراطورية الرومانية ان الكنيسة غيّرت رأيها بتلك الأمبراطورية لما اضطهدتها في عهد نيرون. ففجأة اختلطت الدولة بالدين وصارت عبادة الأمبراطور شيئا لا يُطاق ورفض المسيحيون هذه العبادة فسمّى صاحب الرؤيا المملكة "ام بغايا الأرض وقبائحها" ثم تابع: "ورأيت المرأة (اي الأمبراطورية) سكرى من دم القديسين ومن دم شهداء يسوع" (17 : 5 و 6).

***

هذا مجمل ما يراه كتّاب العهد الجديد في الدولة. نحن أمام تأكيد أساسي وهو ان الدولة شيء صغير جدا اذا قيس بالملكوت الحالّ بيننا وفينا. ليس من قياس ممكن بين الواقعين لأن السلطة مع كل المجال القانوني والعسكري شيء خارجي بالنسبة الى الإنسان الباطن وحقيقته وأبعاده. والأمر الثاني ان الملوك والحكام يعيشون في الترف وبقدر ما كانوا كذلك يشملهم غضب الله. الأناجيل لا تفرّق بين الدولة نظاما وأرباب الدولة.

هذا يستتبع ان الصوت النبوي يدوي امام انحراف النظام وعدم انسانيته وتاليا ان من فُوّض اليه تبليغ الرسالة الالهية يقف على مسافة من الحكم ليكون حرا منه ويوبخه عند الاقتضاء. الروحانيون ضمير الدولة وإذا غدوا تابعيها فلا رسالة لهم. يصيرون من باطلها. والعظائم تقوم خارج السلطة وهي تحديدا لا تبدع شيئا. ترتب، تدفع شؤون الأرض الى الأمام ولكنها تستلم من الجماعة البشرية إبداعها والناس يحيون به ولا يحيون من تنظيمه وكأن الفكر المسيحي يقول صراحة ان الدولة تزول وليس لها الأهمية الكبرى اذا أحدنا ابتغى الجوهر. الدولة كل دولة نزعتها الى الطغيان. كل دولة، في طريقة او اخرى، لا تحترم الحرية، تلك الطاقة الوحيدة ان يحقق الانسان ناسوتيته العظيمة.

قد يحسب قارئي اني أدعوه الى الزهد بالشأن العام. لا، انا لا أجهل قوة الأنظمة واجهزتها على قهر الانسان وتبديد غناه الداخلي. من هنا اني أولي أهمية كبرى للعمل النضالي في سبيل اللقمة والحرية معا. والدولة اذا انحرفت تكسر الانسان الضعيف وتقيم الكثيرين في اليأس من أمر معاشهم وتاليا في رفض الله. جلّ ما اوحي به ان عمق الانسان ليس في الشأن السياسي وان من أصلح الحكم لا يكون قد قوّم الناس آليا. الدعوة الكبرى ليست في تغيير الهيكليات ولئن كان هذا مسعى مبرورا لا بد منه ولكن الدعوة هي ان يصير الانسان طيبا وخلاقا بآن، صامدا ومسكوبا، محبّا بمحبة الشمول وان يترجم ذلك فنا وعملا ما انبسطت يداه كرما وانفتح قلبه نبلا.

ان الخطأ الأساسي الذي وقع فيه الغرب ان يركز نفسه على الوجود الخارجي وأن يؤمن بأنه بذا يُبدّل الخليقة تبديلا. والخطأ الثاني الذي وقع فيه عند مفصل القرنين اعتقاده ان العلم يحل كل مشاكلنا. الخطأ الثالث من بعد الحرب العالمية الثانية ان التقانة (التكنولوجيا) هي فردوسنا الأخير. ونحن على هذه الضلالة ان لم نقرأ: "اطلبوا اولا ملكوت الله وبرّه والباقي يُزاد لكم". وبترجمة دهرية : اذهبوا الى اعماقكم وما فيها من جمال وحق وتلاقوا عليهما والدنيا تؤتاكم من خصبها.

 
Banner