Article Listing

FacebookTwitterYoutube

Subscribe to RAIATI










صندوق التعاضد الأرثوذكسي

صندوق التعاضد الأرثوذكسي
Share

للمقبلين على سرّ الزواج المقدّس رجاءً مراجعة موقع:  wedding2

مركز القدّيس نيقولاوس للإعداد الزوجيّ

Home An Nahar Articles An Nahar Archives An Nahar 1992 السلام الأهلي 11/07/1992
السلام الأهلي 11/07/1992 Print Email
Saturday, 07 November 1992 00:00
Share

السلام الأهلي 

بقلم المطران جورج خضر، جريدة النهار السبت 7 تشرين الثاني 1992

عند كتابة هذه الأسطر لم تكن الحكومة مؤلفة ولذلك لا أعرف بعد مقدار الأمل الذي اسحبه عليها. غير ان رئيسها مؤمن بالله بذلك الإيمان الذي يترجم عملا على نفحات الإخلاص. انه على هذا الذكاء الذي يسمح له بأن يرى حدود الإقتصاد. ذلك ان صرخة الفقراء - وقد بات معظم شعبنا فقيرا - ليست كل المسألة. استجابتنا لهذا اللون من العذاب امتحان صدقنا ولعله يرسلنا الى مواعد مع البر. بعض من إنعاش الحياة محبة. المشكلة ليست هذه.

جانب من المشكلة هي رؤية الحكام الى الحكم ورؤية الشعب الى الحاكم والى الشأن العام. لا يعوز المسؤولين في الإدارة والوزارات معرفة ان الحكم هو العدل وان العدل هو الترهب الذي يقيمك على سياسة الرعية وتخرج من منصبك بالمال الذي كنت عليه او أقل. والحكم ان تساوي بين الناس لأن التساوي وجه من وجوه الإنصاف. والحكم - كما القضاء - ان تكون شبيها بالله الذي لا يحابي الوجوه. تلك مبادئ سقطت عند الأكثرين وكان احتجابها ينشيء فقط حسرة وتململا عند الطاهرين من أهل الإدارة والحكم وزعمي ان سياسة البشر ممكنة ان شئنا ان نعتصم والا نخشى الا هذا الذي كانت مخافته بدء الحكمة.

ما لم نعرف ان الحكم رهبانية لا رجاء لنا بالخلاص. الناصع الجبين وحده نستوزره (اي نطلب اليه ان يصير وزيرا) اذ لا يطلب احدا ولاية لنفسه. الدولة مدينة الله. فمن لم يضع الله لمساته عليه لا يستطيع ان يحس بالناس او ان يعدل بينهم. لذلك لا نولي المرتكبين مسؤولية اذ ليست قلوبهم مسؤولة. انت لا تخترع قلبك كما لا تخترع عقلك. اما من كانت حياته مليئة بالعثرات اي بالظلمة فيأتي بالظلمة الى سياسة الناس. ولا عبرة لمن تاب لأن التوبة علاقة وجدان بينك وبين الرب. اما الساقطون فلا يقدرون ان يصيروا عظماء في قومهم.

غير ان التشكيلة يكون قد أتي بها فيما انا اكتب ويبقى تأملي مرميا على فهم من استطاع ان يفهم ونحن نرجو ان يدخل الوزراء الحريريون في تعهد البر كل في نفسه وكل على ما في يديه علّ البلد لا يموت فإن أكل المحتاج رغيفه لن يأكل معه الخوف. هذا أقل ما نأمل به. ولكن الخوف الكبير هو الخوف على السلام الأهلي وتاليا على الكيان.

***

ويبدو ان الطائف في ما قاله عن الوفاق ما كان الا امنية واننا امام وثيقة وفاق لا امام حقيقة. فالسياسة - وأرجو ان تكون حريرية لا شائكة - هي قبل كل شيء توازن بين الرؤى المختلفة التي للقلوب وانها، شئنا ام أبينا، تعاقد مجتمعي. وهذا التعاقد لم يظهره نواب عقدوا على الطائف مؤتمرا تحت ضغط دول وحرب أهلية. وفي الاضطراب النفسي انت تأتي بصيغ مكتوبة ليست بالضرورة قابلة للتفعيل. والنواب في بلدنا فيهم الكثير من الحقوقيين الذين يدفعهم انحرافهم المهني الى الظن انهم اذا وضعوا نصا يصير. قال الكثيرون ان الطائف ليس انجيلا ولا قرآنا.هذا ليس ردا على هذه الملحاحية التي تأتي من كل صوب وتقول ان نفذوا كل بند من بنود الاتفاق اتماما للوئام الوطني. اما العقل البراغماتي فيقول عيشوا التفاهم في ما بينكم حسب القاعدة التي ألفناها ان لا غالب ولا مغلوب "ليطمئن قلبي". اذ ذاك يبدو التعاقد. الطائف ليس سوى نص اختباري. وكل الممارسات دلّت حتى الان اننا نتعامل وإياه على انه منزّل.

الصراحة تقضي بأن نقول انه لم يجمع اللبنانيين وقد تكون السياسة الموضوعة هنا وثمة ان يتشرذم اللبنانيون حتى ينهاروا في اليأس ويهاجر من أحس بأن كرامته مهدورة ولو حسنت معيشته. كل الأسر الروحية تحس بقهرها ولكن هنا من يشكو وهناك من لا يشكو. ليس الفرق بيننا فرقا بالمقهورية. انه فرق في الشجاعة. المشكلة يا سيدي الرئيس المكلف ليست في لقمة العيش على أهميتها. المشكلة ان الكرامة مسفوكة والأفواه مكمومة وأن نية تسيير المحدلة على عزة النفس معقودة. انها لمشكلة قيادة لا تعبر عن شكها بالنصوص ولا عن شكها بالممارسات وانهزمت امام الأوضاع التي رتبوها لنا ويؤتى بمن يؤتى به من حولك ليقول: نعم للسلطان.

مشكلتك يا دولة الرئيس المكلف ستكون مع بعض من زملائك ومع الكثيرين ممن سيمحضونك الثقة التي سوف يظهر امتحان عسير ان كنت تستحقها. المؤمنون بالله لا يخشون احدا وأنت منهم والمؤمن مثل كتاب لك عزيز "لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه". رجائي الى الله ان يمدك بعون منه لتقول أبدا: "ان الباطل كان زهوقا".

***

لقد ربتك الخبرة ان تعرف ان صاحب الأعمال قلما ينخدع. المهم الا يصبح الطائف وانت من عرابيه خدعة كبيرة، الا يختفي فيه الظلم تحت عبارات التمدن مثل عبارة "إلغاء الطائفية". انا ابن صائغ وأعرف كيف يختفي النحاس في الذهب. ان نفتقر الى كلام الحضارة الغربية التي أتت بالحكم المدني ونسميه تسمية "إلغاء الطائفية السياسية" ولما ندخل اعتاب الديموقراطية ولم نجز امتحان المساواة ولم ينطبق عندنا الظاهر على الباطن، ان نتبنى تسميات حضاريـة ولسنا منهـا فهذا من باب هذه اللعبة التي يتسارع فيها اللاعبون ليأتي الأسرع جالسا على الكرسي.

أخشى ما أخشاه أن ينقلب هذا التمرين السياسي إلى ما ليس سوى تقدّم لفظي ونحن اللبنانيين بلاغيي العرب أَلفاظيون بامتياز و جمعنا إلى هذه البلاغة الإنشائية الديكارتية التي تزين لنا أننا إذا كتبنا نصا حقوقيا و تحذلق الفقهاء لتفسيره نكون قد غيرنا واقع البلد. لا هكذا يُتصدى للجراح.

انا نشأت منذ خمسين عاما في حركة روحية قامت على ضرب مقولة الطائفة لأنها كانت تبدو لنا خطرا على فهمنا الكنسي. وقد انتشر من بعدنا ان الارثوذكسيين كنيسة لا طائفة فنقضنا الطائفية من جذورها وليس فقط في مفهومها السياسي. انا لا أنكر حرفا مما كتبت. هذا معناه انك ان تحررت داخليا من الطائفية بمعناها النفسي واذا رفع الجميع عنهم هذا الكابوس تتلاشى الطائفية السياسية تلقائيا. ونحن في هذا التحرك أبينا باستمرار ان نتحدث عن كيان الطوائف بمعناه اللبناني وكنا نكره اي مسيحية سياسية ونحن لم نعرفها في تراثنا الروحي. وبسبب من هذا المنطق كنا ولا نزال ننكر على سوانا من المسيحيين ان يتحركوا من هذا المنظار. انا، علمانيا وقسا واسقفا، لم ادافع الا عن المسلمين لأني كنت أتحسس حاجاتهم وقضاياهم هنا وفي العالم ولا أزال اشعر ان دول الغرب تقمعهم بشكل او بآخر ولا ازال اؤمن ان وحدة العالم محتاجة الى حرية المسلمين الكاملة والى مشاركتهم في أعلى إنجازات الحضارة.

الآن اسمحوا لي ان ألفت الى ان مسيحيي لبنان يشعرون بالقهر وان واجب كل من آمن بالله وعدالته ان يكون الى جانبهم. لقد آن أوان ذلك الرضاء الذي يجعل المسلم يغفر للمسيحي استعلاءه ولكن اي بلد هذا تنشئونه ان استمررتم بمسالك سياسية تضطر المسيحي ان يفتش عن كرامته في المهاجر بعد ان جعله التهجير غريبا في وطنه ويتأكله العوز. وكلنا يعلم ان عودة المسلم الى الموطن الذي غادره دونها فقط صعوبات اقتصادية اما عودة المسيحي الى الجبل فدونها إرادات بشرية قادرة. وهم يريدون رجعة يقررها الوطن ممثلا بدولة قادرة.

الواقع النفسي القائم هو ان المسيحي الذي كان مصابا بالخوف امسى مصابا أيضا بالغبن. لقد أخذ المسلمون بسبب من عدد وطاقات علمية واقتصادية كبيرة ينعتقون من اية عقدة والحمد لله. والمسيحية - ولست أقول المسيحيين - نكهة طيبة. والأخلاق العيسوية شهادة ولا ألطف كما يشهد بذلك الروحانيون المسلمون من اخوان الصفاء حتى ابن عربي.لا تدعوا المسيحية - بتشريع غير ناضج - تغيب عن هذا البلد بهجرة قسرية.

 
Banner