Article Listing

FacebookTwitterYoutube

Subscribe to RAIATI










صندوق التعاضد الأرثوذكسي

صندوق التعاضد الأرثوذكسي
Share

للمقبلين على سرّ الزواج المقدّس رجاءً مراجعة موقع:  wedding2

مركز القدّيس نيقولاوس للإعداد الزوجيّ

Home An Nahar Articles An Nahar Archives An Nahar 1992 العلمانية 12/12/1992
العلمانية 12/12/1992 Print Email
Saturday, 12 December 1992 00:00
Share

العلمانية  

بقلم المطران جورج خضر، جريدة النهار السبت 12 كانون الأول 1992

إلغاء الطائفية السياسية مصطلح حقوقي يحتاج الى قاعدة فلسفية او منحى روحي. والشعوب التي لا عمق روحيا له او فكريا لن تدوم كلماتها القانونية. هنا لا بد لنا من اللغة. واللغة فيها كلمتان بالأجنبي مختلفتان جُمعتا عندنا بكلمة واحدة: العلمانية. بالفرنسية ومثيلاتها من لغات الغرب نقول laicité ونقول sécularisme لنبق الآن مع الأولى لأننا في لبنان انتسبنا الى الفرنكوفونيا عن صواب او خطأ والفكر السياسي عندنا كما هيكلية الدولة أتيانا من هناك. فمن أي فلسفة نغتذي إذا قلناlaicité؟

تاريخيًا، العلمانية في فرنسا توخت إقصاء سلطة الكنيسة الكاثولكية في نطاق الحكم اي كانت رفضًا للثيوقراطية، للحكم الإلهي وارتبطت بالسيادة الوطنية. قامت العلمنة إزاء الكنيسة الغربية اي انها كانت رغبة في جباية الضرائب على الاوقاف وتوخت تضييق صلاحيات القضاء المذهبي. رفضت تشريعًا لا يوافق عليه الملك بحيث لا يتخذ قرار بابوي الصفة التنفيذية الا بموافقة الملك. على هذا النهج سارت الثورة والانظمة التي تبعتها حتى انقطعت العلاقات الديبلوماسية بين فرنسا والفاتيكان وصدر قانون "فصل الكنائس عن الدولة" السنة ال 1905.

ثم اختلط نظام ال laicité بال laicisme الذي جعل العلمانية القانونية مذهبًا فلسفيًا قيل انه قائم على التسامح والحق انه ليس لكل الناس. ففي انكلترة يرفض لوك حرية الكاثوليك والملحدين. ثم جاء التضييق على الاكليروس. الجمهورية الثالثة تصير لا دينية في حكامها (وليس فقط مفصولة اداريًا عن الكنيسة). ادلوجة "محفل الشرق الكبير" الماسوني تسود البلاد. قال فيفياني: "إن حياد المدرسة كان دائما اكذوبة. ما كان قصدنا ابدًا إلا جعل الجامعة مضادة للدين". ثم قال جول Ferry مؤسس المدرسة العلمانية لجان جوريس: "تسألني عن هدفي. إنه تنظيم إنسانية بلا إله وعند مفكر اخر "يجب سلخ الأمة والعائلات والأفراد عن الكنيسة".

تلك الفلسفة كانت رحم العلمانية هنا وثمة. عندنا لا يبدو ان انصارإلغاء الطائفية كلفوا انفسهم عناء التفكير الفلسفي. نذكرهم ان الطوائف عندنا لا تزاحم الدولة على السيادة فليس للجماعات الدينية تشريع خاص فإن الدولة المنتدبة ثم الدولة الوطنية نظمتا وحدهما الطوائف وأقرتا وحدهما قوانين الاحوال الشخصية التي تصدر بقانون في المجلس النيابي. وما لطائفة بالواقع قضاء مستقل. فالمحاكم المذهبية تحكم بموجب قانون تلبنن في المجلس. إنها محاكم لبنانية خاصة خاضعة لمحكمة التمييز. وأخيرًا الدولة اللبنانية لا دين لها رسميًا حتى جاءت وثيقة الطائف وطيفة الرئاسات الثلاث. وحدها الدولة اللبنانية كانت علمانية في دنيا العرب حتى وثيقة الوفاق الوطني.

وحدها الدولة اللبنانية لا تستلهم كلام إله او كتابًا من كتب الله ووحدها قانونها مدني إطلاقًا. ولكن اللبنانيين مؤمنون فعلاً ونوابهم كذلك ولا نراهم بسبب من انتمائهم الروحي يخالفون في التشريع امرًا إلهيًا بوجه صريح. والمفارقة ان من بين المصرين على الإلغاء من يقول ان الدولة اذا آلت اليهم سيجعلونها في حاكمية الله اي آتية من شريعته. ستكون لا طائفية على صعيد الإنتخابات ولكن من لون ديني واحد على صعيد التشريع ورئيس الدولة من دين واحد والوزارات الاساسية كالعدل والتربية والثقافة لأن ذلك كان كذلك وهو كذلك في هذا النموذج من الحكم. اي اننا بالدعوة اللا طائفية ننتقل من هذا النظام اللبناني الذي لا نكران فيه لشيء والقائم على الليبرالية الكاملة إلى نظام يقول بالشيء الواحد الأحد.

***

بعض القائلين بالإلغاء يدعون الى ما يسمى حكمًا مدنيًا. انصاره متفقون مع الإسلاميين على الإلغاء ولكنهم مختلفون على الفلسفة. يسيرون معًا بعضًا من الدرب. فضل الإسلاميين عليهم ان الإسلاميين يقود رجال الدين فيهم الفكر السياسي واصحابنا يريدون ان يصمت كل رجال الدين في الشأن القومي. لماذا؟ أليس في هذا افتراض ان الإكليروس او مشايخ المسلمين معطلون للوحدة الوطنية؟ أليس هذا إنتقاص من حقهم في المواطنة الكاملة؟ ثم اين تقع الحدود بين ما هو لله وما هو للوطن؟ الا تنعكس الرسالات في الدفاع عن حقوق الانسان، في الثقافة، في التربية؟ او يكون المعنى انك، رجل دين، لك الحق في ان تتكلم بالإلهيات النظرية (في شؤون السماء) لا في نزولها الى الواقع؟ هل هذا فصل الدين عن الدولة ام ببساطة فصل الدين عن السلوك؟ إن لم يكن في هذا إلحاد مبطن الا انه يتضمن ان الإيمان والعقيدة لا ترجمة لهما في الحيز المجتمعي.

نحن أمام ثلاث فئات: الأولى براغمائية يؤلفها السياسيون القيمون على السياسة بمعناها العملي البحت وليس لها هاجس المضمون الفكري لسياستها تلغي بشطارة ثم بعد هذا تفكر بالنتائج على المعتقدات والحرية ووحدة البلد. الثانية "قومية" المستقاة من الفكر العلماني الفرنسي والمشبعة بالفكر القومي الألماني هي مجموعة لاءات للفكر الديني "الرجعي" الممثل بالطوائف (في حسبانها) والذي يجب إبداله بالحداثة (أي حداثة؟). آجلاً ام عاجلاً اصحاب الدعوة القومية لا بد لهم ان يجيبوا عن هذا السؤال: اي إله تعبد وما علاقة هذا الإله بالمجتمع الذي يؤلف وطنًا تسوسه الدولة.الفئة الثالثة الليبراليون المتعددو الالوان الفكرية وفيهم الملحد واللاأدري ويحسب ان والديه مجّساه او نصراه او أسلماه ولكنه لا ينتمي. هؤلاء لا يضيق عليهم احد في لبنان وقد هيمنوا على الفكر في عصر النهضة ويبدون في الجامعات والصحف ولا يتهمهم احد بالتعصب مع ان الكثيرين منهم يعتبرون الخيار الديني سخافة. مع ذلك ينصرون الانفتاح. وهم على ثقافة تؤهلهم ان يروا ان من اصحاب الإيمان مَن انفتح كثيرًا او اقله انه لا يقهر احدًا ولا يكره احدًا على الإيمان. ما أقوله هنا بادئ بدء إن إلغاء الطائفية يبدو للوهلة الأولى ادنى الى الإنفتاح والقول بعدم إلغائها اقرب الى الإنغلاق.

هنا ايضًا نحن ضحايا كل الأدلوجات المنبثقة عن عصر التنوير. مَن قال إنك بتباعدك عن الله تكتسب سماحة وتتعاطف؟ هذا غير صحيح تاريخيًا. أضف الى ذلك ان المؤمنين اضحوا في العصر الحديث ليبراليين سياسيًا وهذا ليس تأسيسًا على العقلانية بمعناها الفلسفي ولكن تأسيسًا على "حرية أبناء الله" وعلى سعينا الى الله في كل وجه بشري. هناك حلف موضوعي بين الروحانيين والمفكرين الليبراليين بحيث يلتقون كل انطلاقًا من موقعه كائنًا ما كان النظام السياسي. بعبارة اخرى لا تحتم الليبرالية ولا العقلانية الفلسفية الأدلوجة العلمانية كما ارادها في فرنسا اهل "فصل الكنائس عن الدولة". كانت هناك مرافقة تاريخية -لا تلازم كياني- بين العلمانية والعقلانية. لا شيء يحتم استمرار هذا التلازم على طريق الإنفتاح.

***

وهنا اعود الى اللغة. زعمي ان العلمانية يجب ان نقرأها بفتح اللام لاشتقاقها من العالم (بفتح اللام) لكونها مصطلحًا مسيحيًا في الأصل للدلالة على كل عضو في الكنيسة ليس اكليريكيًا. وكان المصطلح القديم "العامي" اي مَن كان من العامة. والكلمتان استخدمتا في كتبنا الكنسية وهي تترجم "لايكوس" اليونانية وتعني الفرد في شعب الله "لاوس" ولا صلة لها بالعلـم. والتأكيد على العلم مصدرًا وحيدًا للمعرفة نسميه اليوم العلموية. ثم مع نمو اللاهـوت الغـربي في القرون الوسطى رؤي الى الإكليريكي وبخاصة الى الراهب على انه مَن تعاطى الآخـرة ورؤي الى الإنسان العادي، العامـي على انه مَن تعاطى شأن هذا الدهر وهو ال saeculum باللاتنية وتعني فيها جيلاً من الناس او زمنًا من ازمنتهم ولما اشتقوا منها sécularisme صاروا يريدون تلك الفلسفة التي تفصل الحياة الفكرية والسياسية عن الله فصلاً كاملاً. وارادوا ان يأتي المجتمع المدني شيئًا من هذه الارض ومن الدهر الحاضر بمقابلته مع الدهر الآتي اي ارادوا دنيا بلا دين تاركين هذا للقناعة الشخصية والالتزام الفردي.

فسواء كنا مع مفهوم العلمنة (اللايكية) الذي نشأ في جو ثقافي كاثوليكي وازاءه او كنا مع "الدهرية" الذي بدا في المناخ البروتستنتي وضده نكون غرباء عن المناخ الروحي والحضاري الذي تميز به هذا الشرق في بيزنطية والإسلام. بيزنطية رأت ان المجتمع يشرف الله عليه وان الدولة تحافظ على التراث المسيحي المستقيم الرأي ولئن كان الإمبراطور لا يحكم الكنيسة ولا القيادة الكنسية تتحكم به. هناك تناغم بين الإمبراطورية والكنسية، سيمفونيا (ذلك كان المصطلح الرسمي) ولكن ليس ثمة ثيوقراطية. هناك مضمون روحي للدولة ولكن هذه ليست آلية كنسية. من هذا القبيل كان عندنا في مملكة الروم نظام يميز جسم الدولة عن الجسم الكنسي ولكن ليس في المفهوم الدهري او اللامنتمي المهيمن على المجتمعات الغربية. ومن نوافل الكلام ان الإسلام خارج عن الفلسفة العلمانية كما اتضحت في الغرب منذ عصر التنوير في القرن الثامن عشر.

اإلى اللايكية ام الى الدهرية يستند دعاة إلغاء الطائفية ام لهم فلسفة جديدة يجعلونها مضمونًا لدعوتهم؟ اما الإنفتاح فنحن له من داخل تراث هذا الشرق.

 
Banner