Article Listing

FacebookTwitterYoutube

Subscribe to RAIATI










صندوق التعاضد الأرثوذكسي

صندوق التعاضد الأرثوذكسي
Share

للمقبلين على سرّ الزواج المقدّس رجاءً مراجعة موقع:  wedding2

مركز القدّيس نيقولاوس للإعداد الزوجيّ

Home An Nahar Articles An Nahar Archives An Nahar 1992 قتل الأقباط 12/19/1992
قتل الأقباط 12/19/1992 Print Email
Saturday, 19 December 1992 00:00
Share

قتل الأقباط  

قلم المطران جورج خضر، جريدة النهار السبت في 19 كانون الأول 1992

ولد الرفق يوم مولد عيسى/ والمروءات والهدى والحياء (احمد شوقي). وفي هذه الايام التي نستعد فيها للقاء المسيح في مولده يليق بالمسلمين في إجلالهم لعيسى ان يقولوا انهم يستنكرون تقتيل الأقباط في مصر والأقباط لا يحتاجون الى دليل وطنيتهم المصرية فقد اسهموا مع كل المواطنين المصريين في الدعوة الى استقلال بلدهم منذ ايام عرابي باشا ولا ينكر عليهم احد لصوقهم بالارض وإسهامهم في تحريرها في عهد الرئيس جمال عبد الناصر وفي معركة العبور. وقد زادوا على هذا الواجب انهم رفضوا تطبيع العلاقات مع إسرائيل فقد منعهم البطريرك شنوده من زيارة الاماكن المقدسة في فلسطين لئلا يدخلوا بلدًا يسوسه اليهود. وقد اعطوا لمصر ولا يزالون عددًا مذهلاً من الاطباء والصيادلة وفاقوا في المهن الحرة نسبتهم الى بقية المواطنين بكثير. والامر المعروف ان دولة اجنبية ما همتهم ولم اعثر على ان روسيا القيصرية تدخلت في سبيلهم.

مؤخرا دعا البابا شنوده الى حوار بين الاسلام والمسيحية وشجب التعديات على مسلمي البوسنة وأسف  للمواجهات القائمة بين الأصوليين وأقباط الصعيد وآكد ان الطائفة القبطية في الصعيد تعيش حالة إرهاب ويخشى الناس الخروج من منازلهم. ليس عند الأقباط اي برنامج للدعوة الى المسيحية ولكن خافوا من ان تطالهم دعوة حسن البنا مؤسس الاخوان المسلمين لما كان يتكلم ضد التبشير والتبشير كان حركة يضطلع بها انجيليون اجانب والأقباط كانوا ولا يزالون اخصامًا لهذه  الحركات. أيريد الاخوان المسلمون والفرق المختلفة التي انبثقت عنهم ان يقوموا هم ايضًا بتطهير عنصري كهذا التي تقوم به الحركة الصربية في يوغسلافيا القديمة والقبط مصريون لا يفرقهم دم ولا لغة ولا عادات عن المسلمين؟  والقبطي والمسلم متشابهان كقطرتين من الماء.

انا ارجو ان يرتفع صوت إسلامي في لبنان لشجب هذه المذبحة ولا اوحي بمبادلة في التعامل.فقد استنكر مجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك إبادة اهل البوسنة واستنكر ذلك قبلهم غير صوت ارثوذكسي مسؤول واستقال وزير الماني منذ ايام من حكومته لكونها لم تجرؤ ان تتخذ مبادرة لايقاف مجزرة البوسنة. وها الدول " المسيحية" في اوروبا تتشاور لوضع حد للمذابح ويجري حديث جدي عن إرسال قوات مسلحة لهذا الغرض. ورأينا هذا الاسبوع في التلفزيون كاهنا اورثوذكسيا يقبل احد المشايخ ونقرأ من جديد تصريحا للسيد بولس بطريرك الصرب يرفض فيه الأعمال الوحشية التي يقوم بها المقاتلون الصربيون في البوسنة.

صوت مسلم واحد ولا سيما اذا صدر من الحركات الاسلامية يكفي ليقول ان الأقباط يجب ان تبقى لهم حريتهم وانهم يستحقون الحياة ذلك ان الحوار الذي تدعو اليه احدى الحركات الاسلامية يعني قبل كل شيء "انه من قتل نفسا بغير نفس او فساد في الأرض فكأنما  قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا" (سورة المائدة الآية 32). الحوار حوار الحياة ومن بعد هذا يأتي الفكر. والحياة اذا استمرت طمأنينة الى الوجود وثقة وعودتنا جميعا الى الله. ان يزول العداء من النفوس شرط زواله عن الأيدي. واذا كان يهود مدينة الرسول "أمة واحدة" مع المؤمنين كما تقول الصحيفة التي وضعها الرسول ولا يرقى الشك اليها فمن باب أولى ان يكون المسيحيون والمسلمون امة واحدة والمسيحيون فيهم رحمة ورأفة كما تقول سورة الحديد.

لقد انتهت الحروب الدينية او يجب ان تنتهي. وتبدأ السماحة والحرية في البلدان الذي فيها المسلمون كثر كما في مصر ولا سيما ان الأقباط شعب أعزل وانا عليم بأن الكنيسة القبطية ترفض العنف ولا ينبغي ان تُدفع الى الدفاع عن نفسها لئلا تتلبنن مصر او تحدث فيها بوسنة معاكسة.

***

قتل المسيحيين هو قتل عيسى. فاذا كان لم يذق الصلب كما تقول العقيدة الاسلامية فبالمنطق نفسه لا يسوغ قتل مسيحي واحد. وكان المسيح بعد ميلاده بقليل في خطر الموت لما عزم هيرودس الملك على قتله حسدا. فلما سمع من المجوس عن مولده اضطرب واضطربت معه اورشليم كلها ولما علم من عظماء الكهنة وكتبة الشعب كلهم ان المسيح ولد في بيت لحم خاف هيرودس على زوال ملكه وأخذ يبحث عن الطفل ليهلكه واستشاط غضبا وأرسل فقتل كل طفل في بيت لحم وجوارها من ابن سنتين فما دون ليتحقق موت الصبي.

ان من أباد المسيحيين في اية بقعة من بقاع العالم فكأنه قتل نفس المسيح هذا الذي يحبه المسلمون بوصفه كلمة الله وروحا منه، هذا الذي يسميه كتابهم "وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين". ان اخوتنا في مصر لهم ان يقولوا مثل الحواريين "نحن أنصار الله" (سورة آل عمران، الآية 52). لن أتلو هنا سورة مريم التي ولدَت من قال الله عنه: "لنجعله آية للناس ورحمة منا". واذا تابعنا التلاوة عن عيسى نلحظ القرآن يقول عنه: "وجعلني (اي الله) مباركا اينما كنت واوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا والسلام عليّ يوم ولدت ويوم اموت ويوم أبعث حيا".

من منا نحن معشر المسيحيين اذا جعل القرآن درسه وموطنا لتأملاته الروحية لا يعود الى هذا الكلام اذا أراد ان يستعد روحيا لاستقبال السيد يوم ميلاده؟ ومن المسلمين من عيّد في بيته في الميلاد او عيد له في قلبه او ألقى كلمات فيه او عايد المسيحيين في الذكرى. وبين يدي كتاب أعد للاطفال المسلمين فيه فصل عن الميلاد كان موضعا لإعجابي وتأثري. هذا المسيح الذي تحبون لن ترضوا عن قتل من نصره جيلا بعد جيل. من يسكن منهم بلدا غالبيته مسلمة لا يطمح الا ان يعيش في سلام في ظل مواطنة كريمة.

هذا هو الوقت الذي يعف فيه كل منا عن عدائيته ولا يبسط يده للجريمة لئلا يقع عليه غضب الله. ما نشتهيه في العيد المقبل ان يولد المسلمون والمسيحيون في الحق، ان يولدوا معا. واذا قالت الملائكة عند مولد السيد: "وعلى الأرض السلام" فهذه ما كانت دعوة انقطعت يوم نطقت بها السماء ولكنها دعاء مستمر حتى يعم الفرح ارضنا. نحن معا ضد حزب الجهلاء الى اية طائفة انتسبوا. والانتساب الى الصفاء والى الحب. "أفلا يعقلون ؟". واذا كان من دور الحكماء المسلمين الذين نعرف دماثتهم وكبرهم ونستلذ تقواهم فأن يقفوا حيثما حلوا في وجه السافكين للدماء. ذلك ان كل دم بريء يهراق دم الشهادة.

***

"هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون" والعلم ليس العلم بالكتب وحسب ولكنه العلم بالله اي علم الصدق والبر والعفة عن الآثام. واذا نحن رعينا المودات جيلين او ثلاثة في كل الأرض ولم تهدر فيها قطرة دم زكي نكون وضعنا حدا للصليبية الكريهة وللصليبية المعاكسة. وقد يسوغ القاتل لنفسه الانتقام من الماضي في محوه الانسان الحاضر. أليست المحبة تقضي ان ننسى سيئات الأمم السالفة لأي فريق انتمت. "صبغة الله" التي يتكلم عنها القرآن صبغة الحب. تلك هي المعمودية الوحيدة وما عدا ذلك إماتات وثأر وقد حرم الإسلام هذا الجانب من الجاهلية. "أفحكم الجاهلية يبغون" (سورة الملائكة الآية 5.). وانا اعرف ان اقطاب الاخوان المسلمين في مصر كانوا ينهون المسلمين عن فكر الجاهلية اذا استمرت في عصرهم وكأنهم يقولون ان حرب المسلم على جهل المشركين لحرب مستمرة في ايامنا هذه.

***

مرة دعيت قبل احداث لبنان في عيد المولد النبوي الى بلدة بقاعية هي على السنة لألقي كلاما في العيد. واذكر اني ركزت على مولد المسلمين في الحق. هذا هو الرقي الكبير وتلك هي النقاوة وهذا هو الاسلام. ويذكرني اصدقائي المسلمون ان الله سمى نفسه رب العالمين وما كان رب طائفة من الناس. وقد تكلمت في طرابلس السبت الماضي مع من تكلم عن كتاب "المجتمع الاسلامي في تكوينه" للدكتور مصطفى علم الدين وذكرت الآية: "كنتم خير امة أخرجت للناس" وبينت ان هذه الأمة تعرف نفسها كذلك لايمانها بأنها تدين بدين الله. ان المجتمع الاسلامي لا يصير مجتمعا عظيما الا بقدر التصاقه بالله وهذا يعني في التطبيق الالتصاق بالعدل والبر والرحمة. ان يتعاظم المسلمون بالحب هو إقامتهم في الحق وان يفسحوا لكل الناس في مجال الإقامة بالمحبوبية.

اجل، ولد الرفق يوم مولد عيسى. هذا ليس وحده المهم ولكن الأهم في يومنا ان يصير كل منا عيسويا بقدر ما تسمح لنا هذه البشرة. ومعنى ذلك ان نحيا معا في دار السلام واذا شاء علماء المسلمين ان يسموا حياتنا المشتركة دار المعاهدة فبالمعنى الأعمق من هذا الذي اتخذ في الماضي لأن الذي بيننا هو العهد الجديد. ولا اريد بذلك كتب المسيحيين المقدسة ولكن عمق معناها الذي هو المحبة.

اذا نحن ولدنا جميعا على الرفق فنحن ميلاديون بهذا المعنى اذ يقول الله ليس فقط لمريم بل لكل نفس مصطفاة: "وهزي اليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا". وقد جاء عن آباء الكنيسة القدامى ان كل نفس عذراء هي مريم تلد اليوم المسيح. ميلاد المعلم في كل بشر يتم من حيث ان "الانسان المتجدد على صورة خالقه" لا يأتي من شهوة رجل ولا من شهوة من ذاته ولكنه يخرج من يد الله اليوم. هذا الانسان لا يعتق. يكون ساكنا الفجر.

هذا اذا أدركناه في هدى الروح الإلهي لن تكون مذبحة في البوسنة ولن تكون مجزرة في صعيد مصر. هذه دار السلام الى الأبد.

 
Banner